لا تزال "فضيحة سيغنال"، التي اندلعت في الولايات المتحدة إثر استخدام مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتطبيق التراسل المجاني للتخطيط لضربة عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، تتفاعل في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية. وتعد هذه الفضيحة واحدة من العديد من الحوادث التي كشفت عن استخدام المعلومات الحساسة من قبل المسؤولين الأميركيين في مواقف مختلفة، ما يعيد للأذهان فضيحة تاريخية مشابهة، عرفتها أميركا في السبعينيات.
في عام 1971، وعلى الرغم من تصاعد الاحتجاجات ضد حرب فيتنام، اندلعت فضيحة أخرى هزت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون. تم الكشف عن تسريب وثائق سرية من البنتاغون تتعلق بحرب فيتنام، وهو التقرير الذي أعده فريق من المحللين في البنتاغون بناء على طلب وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنمارا.
كانت هذه الوثائق التي عُرفت بـ "وثائق البنتاغون" تضم 47 مجلداً، تحتوي على 3,000 صفحة و4,000 وثيقة داعمة، وكانت تشكل خطراً كبيراً على سمعة الحكومة الأميركية بسبب كشفها أسراراً متعلقة بالحرب والسياسات التي اتبعتها الإدارات الأميركية المتعاقبة.
دانييل إلسبرغ، المحلل الاستراتيجي الذي كان يعمل لصالح وزارة الدفاع، كان وراء تسريب هذه الوثائق إلى صحيفة نيويورك تايمز في يونيو 1971. بدأت الصحيفة بنشر تقارير تفضح تفاصيل دقيقة حول دور الولايات المتحدة في فيتنام، بما في ذلك ضلوعها في اغتيال رئيس فيتنام نغو دينه ديم عام 1963 وسياسة التضليل التي اعتمدتها الحكومات الأميركية.
رغم محاولات الحكومة الأميركية منع نشر الوثائق، عبر الحصول على أمر من المحكمة لمنع النشر بحجة تهديد الأمن القومي، انتصرت نيويورك تايمز في قضية "نيويورك تايمز ضد الولايات المتحدة" حيث أيدت المحكمة العليا حق الصحافة في نشر تلك الوثائق باعتبارها ممارسة محمية بموجب الدستور الأميركي.
لكن، ما لبثت فضيحة وثائق البنتاغون أن تم تجاهلها إلى حد كبير بعد أن طغت فضيحة أخرى هي فضيحة "ووترغيت" التي أدت إلى استقالة الرئيس نيكسون في عام 1974. ورغم أن دانييل إلسبرغ كان مهددًا بحكم يصل إلى 115 سنة سجن، تم تبرئته في عام 1973 بسبب "سوء التصرف الحكومي" في جمع الأدلة.
اليوم، ومع تكرار الحوادث المتعلقة بتسريب المعلومات الحساسة، تظل "فضيحة سيغنال" تذكيرًا جديدًا بحجم التأثير الذي قد يحدثه تسريب المعلومات في قلب النظام الأميركي.