اقليمي ودولي

عربي بوست
الخميس 10 آذار 2022 - 22:02 عربي بوست
عربي بوست

سرّ "التمرّد" السعودي "غير المسبوق" على أميركا

سرّ

"التقارير عن رفض الأمير محمد بن سلمان، محادثة الرئيس الأميركي جو بايدن هاتفياً"، تكشف عن تدهور العلاقة بين البلدين لمستوى غير مسبوق منذ نشأتها، إذ لم تتمرد السعودية يوماً على حليفتها واشنطن لهذه الدرجة، فلماذا وصل التوتر بين بن سلمان وبايدن لهذه الدرجة، وهل يؤدي ذلك إلى إنهاء التحالف بين البلدين؟

وقد رفض الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد حتى الآن نداءات بايدن للحصول على مزيد من النفط من المملكة العربية السعودية، زعيمة أوبك الفعلية، وتعهد الملك بالالتزام باتفاق منظمة الدول المصدرة للنفط مع روسيا؛ للحد من زيادات الإنتاج. وتمتلك المملكة نحو 2 مليون برميل من الطاقة الاحتياطية.

"ببساطة، لا أهتم إذا أساء بايدن فهمي في قضية خاشقجي، الأمر متروك له للتفكير في مصالح أميركا"، أدلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بهذه الكلمات في حوار مع مجلة the Atlantic الأميركية قبل أيام من التقارير التي تتحدث عن رفضه محادثة بايدن هاتفياً.

والآن وبينما تقترب أسعار النفط من مستويات قياسية، وتبحث الولايات المتحدة لدى أعدائها مثل فنزويلا وإيران عن بدائل للنفط الروسي، فإن تقارير تفيد بأن السعودية ترفض زيادة إنتاجها النفطي لتعويض النفط الروسي الذي تريد أمريكا حظره.

بل إن تقريراً لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية نقل عن مصادر، قولها إن الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي (الرجل القوي بالإمارات)، رفضا تلقّي مكالمة هاتفية من بايدن حول ملف الأزمة الأوكرانية.

وأشارت الصحيفة في تقريرهان إلى أن "مسؤولين من الشرق الأوسط والولايات المتحدة قالوا إن البيت الأبيض حاول دون جدوى، ترتيب مكالمات بين الرئيس بايدن والزعماء الفعليين للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث كانت الولايات المتحدة تعمل على بناء دعم دولي لأوكرانيا واحتواء ارتفاع أسعار النفط".

ولفتت الصحيفة إلى أن "كلاً من الأمير محمد والشيخ محمد تلقّيا مكالمات هاتفية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي، بعد رفض التحدث مع السيد بايدن. تحدث كلاهما في وقت لاحق مع الرئيس الأوكراني..".

قال مسؤول أميركي عن المناقشة المتوقعة بين الأمير السعودي محمد بن سلمان والرئيس بايدن: "كانت هناك بعض التوقعات بمكالمة هاتفية، لكنها لم تحدث.. كانت المكالمة ستدور حول فتح صنبور النفط السعودي".

وقالت وزارة الخارجية الإماراتية إن "المكالمة بين بايدن والشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، ستتم إعادة جدولتها فيما بعد".

وفي مقابلته مع "أتلانتيك"، تحدث الأمير محمد عن أن المملكة العربية السعودية، التي تعتبر حليفاً للولايات المتحدة منذ فترة طويلة، قد تسعى إلى إقامة علاقة أوثق مع الصين.

الموقف الحالي يُظهر كيف يتسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في زعزعة تحالفات العالم، مما يجبر الولايات المتحدة على إعادة ترتيب أولوياتها، وربما تتخلى عن اهتمامها بحقوق الإنسان، ويُظهر أن الولايات المتحدة وإزاء محاولتها معاقبة روسيا ليست مضطرة فقط إلى مهادنة خصومها؛ بل أيضاً التعرض لمواقف محرجة مع أقرب حلفائها.

وقررت الولايات المتحدة حظر استيراد النفط الروسي لأراضيها، وهو لا يمثل سوى نسبة قليلة من استهلاكها، ولكنها تريد توسيع الحظر ليشمل الحلفاء الأوروبيين وحتى بقية العالم كما فعل ترامب مع النفط الإيراني، لأنّ دخل النفط يعد أكبر مَصدر مالي للكرملين ويعادل ضعف الغاز.

تنتج روسيا ما يقرب من 11 مليون برميل يومياً من النفط الخام، وهي تصدّر ما بين 5 و6 ملايين برميل يومياً، حسبما ورد في تقرير لموقع World Stop Exports.

بينما تحتل السعودية المرتبة الثالثة بقائمة الدول المنتجة للنفط، إذ تنتج 9.3 مليون برميل يومياً، يليها (بين الدول العربية) العراق في المرتبة الرابعة عالمياً بـ4.2 مليون برميل يومياً، ثم الإمارات بالمرتبة الثامنة عالمياً بـ2.7 مليون برميل نفط يومياً.

وفي وقت بلغ معظم المصدّرين الحد الأقصى من حيث إنتاج النفط الخام، فإن الإمارات وبالأكثر السعودية هما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان لديهما فائض لتعويض جزء من الإنتاج الروسي، حيث أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الطاقة الفائضة التي تبلغ نحو مليوني ونصف المليون برميل تكاد تتركز بالكامل تقريباً في السعودية (نحو مليوني برميل) وإلى حد أقل في الإمارات.

يعني ذلك أن السعودية والإمارات وحدهما قادرتان على تعويض نصف صادرات النفط الروسية، إذا تم فرض حظر كامل عليه.

وكذلك لدى الرياض قدرات كبيرة في التخزين والتوصيل، حيث لديها مخازن كبيرة من النفط الخام في نظام الخزانات العالمي الضخم، إضافة إلى ناقلاتها التي تطفو بالبحر. في عام 2014، عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم، احتفظ حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي بأكثر من 70 مليون برميل في المخزن بالقرب من الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة. لقد فعلوا ذلك كتهديد لروسيا بأن حرب أسعار ستنشب إذا تحركت القوات الروسية خارج شبه الجزيرة.

بقيت روسيا في شبه جزيرة القرم ولم توسّع هجومها، لذلك لم يتم إطلاق هذا النفط.

وشنّت المملكة العربية السعودية حروب أسعار أضرت بالاقتصاد الروسي في أعوام 1986 و1998 و2009، ومرة ​​أخرى لفترة وجيزة في عام 2020.

ولكن اللافت أن دول الخليج لم تبدُ متحمسة لتلبية الطلب الغربي، وأعلنت منظمة "أوبك"، مؤخراً، أن دول مجموعة "أوبك+" وافقت على زيادة إنتاج النفط بمقدار 400 ألف برميل يومياً في شهر نيسان 2022، وهي زيادة سيكون نصفها من السعودية وروسيا.

ولكن الإمارات تراجعت عن موقفها بشكل واضح، بعدما بدا أنها تتحفظ على زيادة إنتاج النفط، وقالت إنها منفتحة على زيادة الإنتاج؛ مما أدى إلى تهدئة أسواق النفط قليلاً وانخفاض أسعاره قليلاً عن المستويات التاريخية التي وصل إليها مؤخراً، والتي تعد غير مسبوقة منذ سنوات.

ولكن لماذا يبدو أن بعض حلفاء أميركا بالخليج يتخلون عن واشنطن في أحلك الظروف ويعاملونها بهذا الازدراء، وما أسباب طبيعة العلاقة الغريبة بين بن سلمان وبايدن، وما مآلات التحالف بين السعودية وأمريكا في ظل هذه العلاقة؟

وعكس فترة الحرب الباردة حينما كانت دول الخليج من أكثر الدول توجساً من الاتحاد السوفييتي ذي النظام الاشتراكي المعادي للملكية والرأسمالية، فإن كثيراً من دول الخليج أصبح يجمعها مع روسيا تأييد الاستبداد وتشابه في المواقف المتعلقة بالعداء للديمقراطية، خاصة في الشرق الأوسط.

الجديد أن العلاقات الروسية-السعودية أصبحت جيدة، ووصلت إلى التنسيق لضبط أسعار النفط مثلما حدث في تشرين الثاني 2021، عندما ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير إثر خروج العالم من ركود كورونا.

في المقابل، علاقات الرياض بإدارة بايدن ليست جيدة، فخلال حملة انتخابات الرئاسة الأميركية في 2020، وصف بايدن عندما كان مرشحاً، المملكة بأنها "منبوذة"، وفي وقت مبكر من ولايته، أصدر تقريراً غير سري يقول إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وافق على عملية "القبض على خاشقجي أو قتله في القنصلية السعودية في إسطنبول".

وعقب تولي بايدن السلطة، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، في شباط 2021، إنَّ الرئيس الأميركي سيتحدث مع نظيره الملك سلمان البالغ من العمر 86 عاماً. وليس مع ولي العهد الذي يتولى الشؤون اليومية للمملكة، وضمن ذلك السياسة النفطية.

ويُعتقد أن الرياض انتقمت من إدارة بايدن في تشرين الثاني الماضي، عبر التنسيق مع روسيا لعدم زيادة الإنتاج ليشعر المستهلكون الأمريكيون بوطأة أسعار النفط مع تولي بايدن السلطة.

وآنذاك طلبت إدارة بايدن من السعودية زيادة الإنتاج، مُلمحة إلى أن الرياض تنتقم من إدارة الرئيس بايدن الديمقراطية، بسبب موقفها القوي نسبياً في مسألة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول.

وخلال أزمة النفط في تشرين الثاني، لمّح بايدن نفسه إلى أن أسعار النفط المرتفعة سببها السعودية، قائلاً: "هناك كثير من الناس في الشرق الأوسط الذين يرغبون في التحدث إليّ. لكنني لست متأكداً من أنني سأتحدث معهم".

ويقال إن الأمير رفض في ذلك الوقت زيادة الإنتاج غضباً من عدم حصوله على مقابلة أو اتصال مع بايدن، إضافة للانسحاب الأميركي من دعم الحرب السعودية في اليمن.

وفي ذلك الوقت، قال عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، ومقره السعودية، إنَّ قضية بايدن مع ولي العهد قضية شخصية. وأضاف: "إذا كانت لديك رسالة تريد إيصالها للسعودية أو لولي العهد، فقلها بصوت عالٍ وواضح. قل: هذا ما أريده"، مشيراً إلى أنه من المنطقي أن تغير الولايات المتحدة نهجها تجاه السعودية بعد وصول النفط إلى مستوى الـ100 دولار.

وبات هناك شعور بأن العلاقة بين السعودية وأميركا قد تغيرت في طبيعتها.

فهي لم تعد تحالفاً بين أمريكا والسعودية كدولتين، بقدر ما هي تحالف بين الرياض بقيادة الأمير محمد بن سلمان، والجمهوريين بقيادة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

مقابل عداء بين ولي العهد السعودي والديمقراطيين الذين أصبحوا مع تزايد قوة الجناح اليساري في أوساطهم أكثر صراحة في انتقاد السعودية دون مراعاة المصالح المشتركة بين البلدين كما كان يفعل حكام أمريكا عادة.

كما يبدو من أزمة ارتفاع الأسعار التي حدثت العام الماضي، والأزمة الحالية، أن السياسة السعودية لا تتحرك فقط من منطلق مصالح المملكة بل تدفعها روح انتقامية من الديمقراطيين وبايدن ومحاولة لتقوية موقف منافسيهم الجمهوريين، وهو ما يتأكد من سخرية الجمهوريين من بايدن في تعليقهم على التقارير بشأن رفض الأمير محمد إجراء اتصال معه.

ويعد هذا التشفي الجمهوري في بايدن جزءاً من ضعفه أمام السعودية، فلقد تحولت السعودية إلى جزء من الصراع الداخلي الأميركي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبالتالي لم يعد بإمكان بايدن نسبياً تقديمها كخطر على مصالح أمريكا برمتها عبر مواقفها الأخيرة، بسبب الدعم الذي تتلقاه المملكة من الجمهوريين وعلى رأسهم ترمب.

بالطبع يقوي موقف الأمير محمد بن سلمان أن واشنطن مشغولة بالصراع الأوكراني الروسي، ومحاولتها تطويق موسكو في كل مكان، وفي الوقت ذاته يزداد الوزن النسبي الصيني في السياسة والاقتصاد، مما يجعلها حليفاً بديلاً كما لمح الأمير محمد.

تغيير الإمارات، حليفة السعودية، موقفها وإبداؤها الاستعداد لزيادة إنتاج النفط، وهو الموقف الذي قيل إنه صدر بدون تنسيق مع الرياض، يؤشران إلى أن الضغوط الغربية قد تُغير المواقف الخليجية.

وهناك تقارير عن نية بايدن زيارة منطقة الخليج، رغم أن البيت الأبيض رفض تأكيد هذا الاحتمال وإن لم ينفه، ولكن من المؤكد أن العواصم الغربية ستدير العلاقة المعقدة مع الرياض تحديداً بخليط من الإغراءات والضغوط.

قد يكون هناك تلويح بمستوى معين من التطبيع للعلاقة مع الأمير محمد الذي عُزل من قِبل الدبلوماسية الغربية بعد اتهامه من قبل أجهزة الاستخبارات الأميركية بالمسؤولية عن اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

وهي عملية تطبيع بدأت فعلياً قبل الأزمة الأوكرانية عبر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرياض.

وفي الوقت ذاته، سوف يكون هناك في الأغلب ضغوط غربية على الرياض وأبوظبي لدعم موقف الغرب من الأزمة الأوكرانية سواء بالتصويت لصالح كييف في المحافل الدولية أو الابتعاد عن موسكو والأهم زيادة إنتاج النفط.

فمن المحتمل أن الغرب قد يلوح بعصاه الغليظة في هذا الملف، مع دول الخليج ومع دول مثل الصين، التي هددت واشنطن شركاتها بعقوبات إذا اخترقت القيود الأميركية على روسيا.

فالغرب في الوقت الحالي يتعامل مع الأزمة الأوكرانية بطريقة من ليس معنا فهو ضدنا.

ورغم زيادة الوزن النسبي لبكين وموسكو في السياسة والاقتصاد والترتيبات الأمنية، فإن الأمر لم يصل بعد إلى الحد من قدرة دول الخليج على الاعتماد عليهما كرعاة والاستغناء عن الحلفاء الغربيين، خاصةً أن موسكو مشغولة بالحصار الذي تتعرض له، وبكين ليست مستعدة لمواجهة الغرب رغم انتقاداتها له.

فدول الخليج تعتمد بشكل كامل، على الحماية العسكرية الغربية، والأسلحة الغربية هي عماد جيوشها، كما أن الوجود العسكري الصيني والروسي في الشرق الأوسط وأعالي البحار محدود، والأهم أنه حتى لو كانت الصين من أهم زبائن الخليج في مجال النفط، فإن المؤسسات المالية العالمية مازالت خاضعة للسيطرة الغربية، وتثبت العقوبات الصارمة على روسيا بمواردها الضخمة وقدراتها العسكرية والتقنية أن العقوبات الغربية قادرة ومازالت على إيذاء أكبر القوى.

وتعلم دول الخليج وعلى رأسها السعودية، كل ذلك، وبالتالي فإن هذا التمنع السعودي قد يكون هدفه رفع سقف المطالب، ولكنه في كل الأحوال سيكون له تأثير تراكمي سلبي على العلاقات الأميركية-السعودية، وقد يجعل ذلك الديمقراطيين يحاولون تقديم الرياض على أنها ليست الحليف الموثوق الذي كانت تعتمد عليه دوماً، بينما سيصر ترمب وأنصاره الجمهوريون على أن العيب في شخصية بايدن.

من جانبه، فإن الأمير محمد يراهن في الأغلب، على أن أزمات النفط التي يكتوي بنارها المواطن الأميركي، قد تفضي إلى وصول صديقه ترمب للبيت الأبيض في نهاية المطاف، منهياً هذه المرحلة في العلاقات بين البلدين.

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة