التحري

الخميس 13 كانون الثاني 2022 - 22:09

"يوم الغضب"... أي "نجاح" قصد رئيس الإتحاد العمالي العام في وصفه لإضراب قطاع النقل البري؟

placeholder

انتهى "يوم الغضب" الذي دعت إليه اتحادات النقل البري، وشارك فيه الإتحاد العمالي العام، ووصفه رئيس الإتحاد بشارة الأسمر في حديث لـ"التحري" بالناجح". في وقت لم يقبض اللبنانيون هذا التحرك "على محمل الجد" أصلاً، بمن فيهم آلاف السائقين العموميين، واضعينه في خانة "الرسائل السياسية". فعن أيّ "نجاح" تحدّث الأسمر، وما هي أهداف تحرك اليوم، التي "نجحت" الإتحادات بتحقيقها برأيه؟

وميدانياً، "نجح" التحرك في شلّ البلاد لساعات قبل معاودة فتحها، عبر قطع الطرقات على مختلف الأراضي اللبنانية، لا سيما الطرقات الرئيسية من قبل الشاحنات العمومية والفانات وسيارات الأجرة، في تحرك هو "الأعلى سقفاً" لاتحادات النقل منذ زمن، وذلك على لسان رئيسها بسام طليس.

ومع هذا، كانت حركة الإحتجاجات خجولة على مستوى عديد أصحاب السيارات العمومية "الغاضبين"، إذ يبدو أن "لا ثقة" بهذه النقابات وإضراباتها من قبل عمالها... كل هذا، يأتي في وقت حلّقت فيه صفيحة البنزين بزيادة 35 ألف ليرة في ليلة وضحاها، لتبلغ عتبة الـ410 آلاف ليرة، فيما "تعرفة نقل" سيارة الأجرة هي نفسها، 20 ألف ليرة، وخطة الحكومة لدعم النقل البري "مجمّدة"، كما عمل الحكومة، على عكس دولار السوق السوداء الذي يغلي على نار، بعد تجاوزه عتبة الـ31 ألف ليرة!

وإذا كان تنفيذ الحكومة لخطة دعم قطاع النقل البري هو الهدف المعلن من "يوم الغضب". فكيف فنّد الأسمر، معايير نجاح هذا اليوم، وماذا عساه يخفي من أهداف أخرى؟

نقابات قطاع النقل... "لا ثقة"!

وعلى الرغم من تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، لم يتشجع اللبنانيون للمشاركة على المستوى الشعبي بـ"يوم الغضب"، ولو أنهم "غاضبون" من العيش في "جهنم". إذ يبدو أنهم لم يشعروا بأنهم "معنيون" بهذا التحرك، بل أن غالبيتهم وضعته في خانة رسائل رئيس مجلس النواب نبيه بري السياسية باتجاه العهد، بما أن اتحادات النقل واتحاد العمالي العام، هي "أدوات" بري للضغط سياسياً، بغطاء "نقابيّ".

ولعلّه من الجدير التذكير بخطة الدعم التي يطالب بها اتحادات النقل البري، وهي اتفاق أبرم بين رئيس الاتحاد بسام طليس ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزراء الداخلية والأشغال العامة والمالية، ويتضمن أربعة بنود هي:
-البدء بتنفيذ دعم القطاع اعتباراً من 1/12/2021، على أن تتم تغطيته من قرض البنك الدولي المخصص للنقل في لبنان بقيمة 55 مليون دولار. أي أن تطبيق خطة الدعم، تأخر شهرين عن الموعد المحدد له.
-البدء بتسجيل السائقين العموميين للاستفادة من البطاقة التمويلية، التي بدورها لم تبصر النور بعد.
- البدء الفوري بقمع التعدّيات على القطاع من الشركات الوهمية والسيارات المزورة والخصوصية.
- إعداد مشروع قانون لإعفاء المركبات العمومية من رسوم الميكانيك والمعاينة الميكانيكية.

الأسمر: نحن على تواصل دائم مع الحكومات

من جهته، وفي حديثه لـ"التحري"، يشدد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر على أن "الإضراب كان ناجحاً"، ويعدد معايير نجاحه: "فالإضراب عمّ كل المناطق اللبنانية ولم يُسجَّل أي خرق أمني أو تعدٍّ على الأملاك الخاصة أو العامة، وبلغ التضامن من قبل كل النقابيين على الساحة اللبنانية مع الإضراب أعلى مستوياته، سواء على صعيد البيانات الداعمة، أو التواجد على الأرض معنا".

ومعايير النجاح عادة ما تكون مرتبطة بتحقيق الهدف المنشود من الإضراب. في السياق، نسأل الأسمر عمّا إذا حقّق الإضراب نتائج أو إشارات ملموسة، على صعيد تحقيق مطالب السائقين العموميين، لناحية وعود بالوصول لتعرفة نقل "عادلة" تترافق مع تطبيق "خطة الدعم التي وعدتهم بها الحكومة".

في المقابل، يؤكد الأسمر أنه "نحن لم نقطع الحوار مع المراجع الحكومية في أي وقت من الأوقات، سواء مع حكومة الرئيس حسان دياب أو حكومة الرئيس نجيب ميقاتي"، مضيفاً "الفارق أننا مع حكومة دياب اتفقنا أن لا يرفع الدعم عن السلع دون خطة بديلة، وهكذا حصل ومشكور دياب"، لكن "مع حكومة ميقاتي رفع الدعم عن كل السلع بالكامل ومن بينها المحروقات، ودون أي خطة بديلة".

ويبدو جلياً أن علاقة الإتحادات مع حكومة دياب المحسوبة كلياً على قوى 8 آذار، كانت أكثر "انسجاماً" مع حكومة ميقاتي الذي أوقف صفقة المجلس الدستوري بين التيار الوطني الحر وبري وحزب الله، ويحاول إبعاد كأس عرقلة التحقيقات بانفجار بيروت عن حكومته "المعلّقة" عن العمل بسبب ضغط الثنائي الشيعي في هذا الاتجاه.


المحروقات... أزمة ترتدّ على الجميع

وفي محاولة لتفنيد خطورة رفع الدعم عن المحروقات دون أي خطة دعم للسائقين العموميين تمنع كأس رفع التعرفة إلى حدود لا قدرة لدفعها من قبل المواطنين، يقول الأسمر "بات سعر المحروقات اليوم يحرق جيوب المواطن الذي لا قدرة له على التنقل في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، ما صعّب ذهابه لعمله إن لم يحل دون ذلك".
وهذا الغلاء انعكس على سير المؤسسات العامة والخاصة، التي بدأت تتداعى هي الأخرى، "فبتنا نشهد إضرابات لموظفي الضمان الاجتماعي وموظفي شركة المياه والكهرباء والاتصالات"، فرواتب الموظفين في القطاع العام "لم تعد تكفيهم للوصول لمراكزهم بعد انهيار الليرة بنسبة تفوق الـ90%"، أضف إلى أن المؤسسات العامة "قلّصت من خدماتها نتيجة عدم قدرتها على تشغيل محركاتها للحصول على الكهرباء، ما انعكس سلبا على تأمين خدماتها للمواطنين وتسيير المرافق العامة".

في المقابل، "لا خطة نقل عام لنقل العسكري في الجيش الذي بات راتبه نحو 60 دولارا فقط، ولا خطة لإيصال الطلاب لمدارسهم ما يهدد القطاع التعليمي". وباختصار "لا خطة نقل عام ولا خاص". وكل ما نطلبه هو "تسعيرة مقبولة يتحملها المواطن، سيما وأنّ زيادات بدل النقل في القطاعين العام والخاص لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن والمواطنون غير قادرين على تحمل تسعيرة عالية، وهو ما دفعنا اليوم "لخلق حالة ضغط قابلة للتطور نحو شمولية أكثر".

وعن مستقبل هذه التحركات وما إذا كان تحرك اليوم أشبه بـ"بيان رقم واحد"، يقول الأسمر "سنقوم باجتماعات تقييمية لإضراب اليوم، وعلى أساسها قد نقوم بتحركات الأسبوع المقبل، لنحفز الحكومة على العمل من أجل الوصول لحد أدنى للمطالب، بما أن الحدود القصوى لها غير متوفرة حالياً".

رسالة للحكومة

من جهته، وخلال مؤتمره الذي عقده اليوم، كان رئيس اتحادات النقل البري بسام طليس أوضح بتعبيره، إذ قال "نتأمل، أن ما حصل يكون رسالة للحكومة".

وذكّر طليس الحكومة باتفاقها مع الاتحاد لدعم قطاع النقل، "وهو بالنسبة لنا مقدّس، وهو نص قرآني ونص بالانجيل، ولا يمكن التراجع عنه، والبديل عنه، الحاق الاذى بالمواطنين، وزيادة تعرفات النقل، سوف ترهق المواطنين، وترهق القطاع، وتقضي عليه"، مؤكدًا ان "معركتنا مستمرّة مع الحكومة لتنفيذ الاتفاق، وإن كان لا بد أن يعدّل، فليتم تعديله على الاسعار الجديدة"، مشيرًا إلى "خطوات مقبلة مكمّلة للتحرك الذي حصل، سيعلن عنها لاحقاً".

وفي وقت يتصلب فيه رئيس الجمهورية ميشال عون رافضاً التوقيع على قرارات حكومية للضغط على الثنائي الشيعي بهدف إعادة التئام اجتماعات آخر حكومات عهده، أتى تصويب الأسمر على "ارتفاع الدولار"، من خلال دعوته "الناس للنزول الى الشارع ضد الغرف السود التي تعمل على رفع سعر الدولار"، كمحاولة للجم انفجار الشارع بوجه المنظومة بأسرها، وحصر الانفجار الشعبي بعهد عون وتحديداً بالتيار الوطني الحر، من خلال قيادة بري للتحركات الشعبية عبر افتتاح اتحادات النقل "موسم" الإضرابات.

ويدرك رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الشارع محتقن، وهو لا يريده بالطبع أن ينفجر بجميع "ربّان السفينة"، ويعمل على توجيه جام الغضب على العهد، سيما بعدما أجبر عون على الموافقة على عقد جلسة استثنائية للمجلس تؤمن لنواب أمل المستدعين في قضية انفجار مرفأ بيروت، الحصانة النيابية، فلاقاه عون بتحديد مسبق لجدول الأعمال، عملا بالمادة 33، ليتريث بري بالدعوة للجلسة "نكاية" بعون!

كل هذه التصعيد بين بري وعون وحرب "الصلاحيات"، لا يلغي السبب الرئيسي لبري، لا بل وللثنائي الشيعي أمل وحزب الله، عبر وضع عرقلة التحقيقات بانفجار المرفأ نصب أعينهم ومحاولة كف يد القاضي طارق البيطار نهائياً عن القضية.

وكلما اشتد غضب الشارع اللبناني مع تفاقم الأزمة، كلما اضطرت الحكومة للالتئام مجدداً لتطبيق القوانين وإقرار المساعدات للقطاع العام وقطاع النقل البري والأساتذة المتعاقدين وغيرهم... ما يسهّل تطويع ميقاتي، الذي يصبح حينها محاصراً كذلك من عون نفسه، بغية إنقاذ عهده، عبر تقويض صلاحيات المحقق العدلي طارق البيطار، بـ"صفقة" تبرم تحت ضغط الشارع الذي يأن تحت وطأة الجوع، قبل أشهر من الاستحقاق النيابي، ودوماً، تفادياً للانفجار الشعبي، وهرباً من المحاسبة في انفجار أطاح بثلث العاصمة بيروت.

وإذا لم يستقل ميقاتي هرباً من عقوبات دولية على عرقلة حكومية محتملة للتحقيقات، وإذا سار بهكذا صفقة تحت وطأة انفجار اجتماعي أو خنوع للثنائي الشيعي أو "مقايضة" سياسية ما، يكون تحرك اتحادات النقل والاتحاد العمالي العام قد "نجح"، بـ"معايير" مشغّليه، ويكون اللبنانيون خسروا أهم شوط في حربهم مع المنظومة!

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة