من قال أن الثورة في لبنان حكر على العناوين السياسية؟ ومن قال أن التغيير يبدأ -حصراً- بالانتخابات النقابية؟ ومن قال أن طلاب لبنان بمنأى عن التغيير، هم الذين علّموا وزارة التربية والتعليم "درساً" لن تنساه اليوم، بعد توقيفها الأستاذ المتحرش سامر المولوي عن التعليم وإحالته للتأديب إثر فضحه من قبل إحدى طالبات مدرسة جورج صراف الرسمية المختلطة في طرابلس؟
وطلاب المدرسة، وهم شباب وبنات لا تتجاوز أعمارهم الـ18 عشر عاماً، لم يكتفوا بفضح المتحرش بل هتفوا بوجه مدير الثانوية الذي كان يتجاهل شكاواهم ضد التحرش، متهمين إياه بـ"الذكوريّ" ومعلنينها "ثورة" على "الذكورية" و"الفساد الإداري" في آن. وهي صفعة للمجتمع الذكوري، تلقفها شبان وشابات من المدينة، بصدد التوجه إلى القضاء ومحاسبة المتحرش "كي لا تسود شريعة الغاب". وفق ما كشفه لنا الإعلامي ابراهيم فتفت، الذي وكّل محاميه الخاص لمتابعة الشق القانوني للقضية.
وفي طرابلس، المدينة المعروف عنها أنها "محافظة" في مجتمع ذكوري، "حافظت" الطالبة غنى ضناوي على حقها رافعة الصوت، فاضحة المتحرش، رافضة القبول بالتحرش والسكوت عنه، غير آبهة بالأحكام المسبقة عليها في مجتمع اعتاد جلد ضحاياه.
أما وقد رفع طلبة المدرسة راية "نصدق الناجيات" وأصبحت القضية قضية رأي عام على امتداد الوطن... فماذا تقول الطالبات اللواتي تعرّضن للتحرش عن مواجهتهنّ لإدارة مدرستهنّ وإعلائهنّ الصوت؟ وماذا عن وعيهنّ الجماعيّ العابر للقضية؟ وما آخر التطورات القانونية للملف؟
شجاعة طالبة
وبدأت القصة بمنشور تجرأت الطالبة غنى ضناوي على نشره، فاضحة ممارسات أستاذ استغلّ طبيعة مهنته وقربه من الطالبات وتواصله معهنّ، للتحرش بهنّ كلما سنحت له الفرصة، وتهديده لهنّ في حال عدم الاستجابة له، بعلاماتهنّ.
وهو إذ مارس سلطة منحته إياها مهنته، لا سلطة ردعته ولا إدارة حاسبته ولا تفتيش تربويّ، فيما كانت جرأة غنى هي الشرارة التي أيقظت كل ما في جعبة الطالبات الأخريات من اشمئزاز وغضب من متحرش استغلّ تعليمه لهنّ، فعلّمنه درساً يليق بالمتحرشين، وبإدارة مدرسة كانت غطاء للتحرش!
ولم تخف ضناوي إدارة "ذكورية"، ولا خافت مجتمعاً ذكورياً سمح لنفسه بتبرير فعل التحرش ليسأل "ماذا كنّ يرتدين عندما تحرش بهنّ الأستاذ". وأستاذ التربية المدنية الذي "وقف ياخد صورة مع بعض تلميذات صفه، طبعًا الاستاذ اللي ييمسك ايد تلميذاته و بهددهن انو علاماتهن رح تنحدر لو رفضو تصرفاته رح يضايقه وجود بنات مش حابة يتصورو معه"، انتقم منهنّ بالقول لأحدهنّ "يا حقيرة، يا حيوانة, اخرسي"، ليقول لأخرى تطلب إذن الذهاب الى الحمام: "روحي عمليا بالزاوية".
وعلى الرغم من توجه ضناوي للإدارة، لم تستجب وتجاهلت الشكوى، فنشرت ما نشرته ليصل للرأي العام "لأنو في بنات مش حاسة بالأمان بوجود هيك شخص بمنصب استاذ".
وكانت صرختها بمثابة شعلة أيقظت غضب طالبات أخريات، تشجعن على البوح بما تعرّضن له، ليُكتشف أن للمولوي تاريخ حافل بالتحرش، جسدياً، حيث يتحسس ما استطاع من أجساد طالباته، ولفظياً، إذ لا يناديهنّ إلا "يا حلوة" و"يا قطةّ". و"أونلاين" حيث يدعوهنّ لملاقاته لأنه "اشتاق" لهنّ!
وممارسات التحرش الواضحة وضوح الشمس هذه، والمثير للاشمئزاز، حركت الرأي العام اللبناني بشكل غير مسبوق بهدف دعم الناجيات، ودفعت لسؤال جوهري ألا وهو: أين كانت إدارة المدرسة من ممارسات المتحرش كل هذا الوقت!
مُحاضر بالعدل ومتحرش "باب أول"!
وهو "أستاذ التربية المدنية"، الذي يبدو أنه يحتاج لتربية من "أول وجديد"، فهو "المتحرش" بطالباته منذ سنوات، المدّعي الوقوف مع "الحق"، والمعتدي على المساحة الخاصة لتلك الطالبات. هو المحاضر بـ"العدل"، والمستقوي بـ"الواسطة" وتغطية مدير الثانوية على أفعاله المشينة له!
والمولوي "ضيعان كلمة إستاذ فيه" كما تقول لموقعنا إحدى الطالبات، ولا تكاد فتاة من الذين علّمهنّ إلا وتعرضت لتحرشه. واليوم بعد الوقفة الاحتجاجية التي تسببت بطرده من المدرسة بضغط من الطلاب ومن ساندهم من المجتمعين الحقوقي والمدني، يفتخر طلاب المدرسة بإنجازهم وفق ما يؤكدونه لـ"التحري".
في الإطار، تقول إحدى الطالبات "نفتخر بإنجازنا بعدما وقفنا بوجه المتحرش وبوجه كل من حماه من المحاسبة، من مدير المدرسة إلى هيئة التفتيش في وزارة التربية إلى الواسطة التي كان يهددنا بها بشكل مستمر". وتضيف "نحن أصحاب الحق، أثبتنا اليوم أننا أقوى منهم جميعاً".
وأي فكرة قد تؤخذ عن أستاذ تربية، لا يأتي مثال في رأسه عن العدل ليعطيه لطلابه سوى القول "العدل يعني كيف أنا هلا بتجوزِك إنتي وإنتي إنتي"، ناظراً في عيون ثلاثة من طالباته وموجهاً الحديث لهنّ، ومكمِّلاً مثاله بالقول "وبنام معك انتي وانتي وانتي".
وهي صورة مصغرة عن متحرش "باب أول"، ينظر لطالباته على أنهن "فريسة" ولا يخطر بباله شيء سوى الانقضاض عليهنّ! والمولوي الذي يعلّم كل الصفوف في الثانوية، ليس بالمتحرش المستجد، إذ أن اعترافات الفتيات دفعن بأخريات لكشف تحرشه بهن في الماضي، حتى ممن تركن المدرسة منذ سنوات.
والعجيب في تحرشه، أنه لا يقوم بجهد لإخفائه حتى، وكأنه بقي متأكداً طيلة هذه السنوات أنه خارج دائرة المحاسبة. متحصناً بمجتمع ذكوري يلقي باللائمة على ضحية التحرش، ومحمياً بإدارة مدرسة تخشى "التشهير" بها، ولا تخشى الضرر والأذى الواقع على طالبتها! في السياق، تقول إحدى الطالبات لموقعنا "قام المدير بتهديد عائلة ضناوي برفع شكوى تشهير ضدها إثر تبني الرأي العام للقضية".
والمولوي كان يحرص على اختيار توقيت حرج للتقرب جسديا بطالباته، كلمسهنّ خلال الامتحانات حيث يصعب التصدي له، ما يشير إلى أي نوع من الاستغلاليين هو، وهو الذي لا يخشى توثيق تحرشه بطالباته "أونلاين" ، في عشرات المحادثات التي وثقتها الفتيات بعد رفعهنّ الصوت!
ويمتلك واسطة من وزارة التربية "لا ندري ممّن"، تقول إحدى الطالبات، و"لهذا بقي محمياً طيلة هذه السنوات، إذ كنا نحاول التكيف مع الوضع على قاعدة "ما فينا نعمل شي".
والطالبة، وهي ممن تعرضن للتحرش من قبله، تقول عن تهديده للبيئة الآمنة لهؤلاء الطالبات "كنا نصاب بالقلق طيلة حصته نتيجة هذا الواقع وعدم قدرتنا على تغييره، ولم يقف احد في صفنا من الإدارة، فالمدير عقليته ذكورية وكذلك الناظرة، وكانوا يحاولون فصل البنات عن الشباب".
وتضيف "كانوا يخافون من اختلاطنا وزملاءنا الذي لا عيب فيه، كانوا يخافون علينا من زملائنا الشباب الذين وقفوا اليوم في صفنا وكانت قضيتنا واحدة، خافوا علينا من زملاء دافعوا اليوم عنا، ولم يخافوا علينا من أستاذ متحرش ولم يحمونا منه"!
وتكمل حديثها "بسبب تعاطي الإدارة هذا معنا، بعض البنات كنّ يضعن اللوم على أنفسهنّ، فيما من تتجرأ على الشكوى يقال لها "انتي عطيتي وجّ الحق عليكِ".
وعن تغطية الإدارة له وانحيازها له بالكامل تقول "حتى بعدما تحولت القضية إلى قضية رأي عام، استدعى مدير المدرسة البنات الذين قبلوا أن يتصوروا مع الأستاذ وكأنه يوحي بأنهنّ قبلن بالتحرِش، دون الأخذ بعين الاعتبار أنهنّ خائفات على علاماتهنّ، من سلطة أستاذ في موقع القوّة".
ثورة... في مدارس لبنان!
ونسأل طالبة أخرى عن بُعد كلمة "ثورة" في ندائهم اليوم، لتقول "هي ثورة على الفساد، فهم يغطون على بعضهم عندنا في الثانوية، أما اتهامنا للمدير بالذكورية وكذلك الأستاذ، فمرده لأن التحرش ذكورية والقبول بالتحرش ذكورية كذلك".
طالبة أخرى تقول "قرفنا منو وثرنا عليه وع اللي بيغطي عليه وعالوزارة وعالتفتيش وكل الساكتين عن الموضوع... رفعنا صوتنا لنحمي حالنا ونخلص منو ونعاقبه... ومنتمنى قضيتنا ما تنرمى بجارور التفتيش".
وعن حصول هكذا "ثورة" طلابية في طرابلس، تقول "هناك وعي جماعي ترجم بتضامننا ومساندتنا لبعضنا البعض أنا وزملائي، فنحن، صبية وبنات، صدّقنا الناجيات ووقفنا بوجه الذكورية، ولم تكذّب أي طالبة شهادة الأخرى، وأهلنا كذلك دعمونا جميعنا، ونحن فخورون بأنفسنا كثيراً".
وأكثر ما يدعو للفخر اليوم برأيها هو "تشجيع طلاب مدارس أخرى على مواجهة التحرش ورفع الصوت، فنحن اليوم "فرجيناهن إنو نحنا أقوى من كل سلطتن من كبيرن لصغيرن"، وكسرنا سلطة المدرسة القمعية الابوية التي تضع الحقّ على التلامذة دوماً، وكناّ أقوى من فسادهم وقاومنا ظلمهم لنا.
دعوى قانونية
وأي قضية اليوم محقة اليوم، لا سيما تلك التي يكون فيها طرف ضعيف وطرف قوي، من الواجب مناصرتها، ونحن هنا نتكلم عن قاصرات تذهبن للمدرسة بهدف التعلم، فتقعن تحت تهديد المتحرش، يقول الإعلامي إبراهيم فتفت في حديث للتحري.
ويتأسف من "بدء البعض في مجتمعنا الذكوري بتحميل الفتيات ولباسهنّ -ولو أنه زي مدرسي- مسؤولية تربّص المتحرش بفريسته، ووقوع عشرات الفتيات ضحايا تحرشه".
ولِفتفت تجربة شخصية مع المولوي، حيث تعرضت زميلة له منذ سنوات لتحرش الأستاذ، وخرجت باكية من الامتحان بعد أن لامس يدها بحجة مساعدتها بالكتابة، ما جعل فتفت يثير بلبلة في المكان ويتلاسن معه لكن "كنا طلبة وقتها وكان تأثيرنا محدوداً".
ولأن فعل التحرش منتشر بشكل كبير، وفي المدارس كذلك، يشدد فتفت على ضرورة "معالجته وألا يحصر فقط بإطار قضية رأي عام".
ولأنها قضية شخصية كذلك، و"يجب علينا حماية اخواتنا، رفيقاتنا، بناتنا وأنفسنا"، وضع فتفت محاميه الخاص بمتناول أهالي الناجيات، ليتابع وعدداً من شباب مدينة طرابلس الشق القضائي للقضية، إذ "كلما تعممت شريعة الغاب، كلما وقع الضعفاء ضحية لهكذا وحوش وعلينا إيقاف الوحوش عند حدهم".
الوزارة تتحرك
وقد أوقفت وزارة التربية المتحرش سامر مولوي عن التدريس وأحالته إلى الهيئة العليا للتأديب، في وقت طلب وزير التربية عباس حلبي من المديرية العامة للتربية، تأمين الدعم النفسي والاجتماعي لتلامذة الثانوية.
وكان يفترض بأستاذ التربية أن يعلّم طلابه الدفاع عن حقوقهم في إطار العدالة، لكنّه فضّل لعب لعبة "السلطة" والتلطي بها وبفسادها، فتعلّم درساً هو والمدرسة، بـ"الثورة" على الذكورية وظلمها، وعلى الفساد الذي حمى متحرشاً من المحاسبة.
وما فعله طلاب طرابلس أبعد من أن يوضع في إطار "احتجاج"، فأن يدافع شاب عن زميلته ضد "الذكورية" برمتها، لهي إشارة إلى أن هذا المجتمع يثور على نفسه، والأجيال الصاعدة ترفض ما قبلته الأجيال التي قبلها!
اخترنا لكم



