التحري

السبت 30 تشرين الأول 2021 - 22:43

أنا الدستور والدستور أنا: بري "يستثمر بالغموض" ويتلاعب بـ"الأكثرية النيابية"!

placeholder

فتات عياد - التحري

بعد أن ساد الضياع بين ما إذا "طار النصاب" أو "اكتمل النصاب"، في الجلسة النيابية الأخيرة أمس الأول، وهو ما أدى إلى انسحاب تكتل لبنان القوي، "غطّت" مطرقة رئيس المجلس نبيه بري الخشبية، معلنة أن "للمجلس وحده مهمة تفسير الدستور" وبالتالي تحديد النصاب، مع ما يترتب عليه من تحديد الأكثرية النيابية المطلقة وثلثي أعضاء المجلس، وهما المعياران الأساسيان للبت بالقرارات التشريعية -على حساسيتها- في بلد قد يحدث صوت نيابي واحد فيه الفرق.

و"الإستيذ" بالعمليات الحسابية من النوع التشريعي، احتسب النصاب "بعدد النواب الفعلي" أي 59 نائباً وليس بنصف عدد المقاعد وهو 64. علماً أنه كان هو نفسه قد فسّر الدستور بطريقة معاكسة يوم انتخاب ميشال عون رئيساً عام 2016، ليصبح للدستور تفسيرين اثنين وليخرج من قبعة بري "العجب"، ما يطرح علامات استفهام ليس حول آلية تحديد النصاب وحسب، بل حول الجهة المخولة "تفسير الدستور"، وسط دعوات لوضع هيئة مستقلة لهذه الغاية، كي لا يصبح الدستور "مادة" جديدة للاستثمار السياسي، غب الطلب!

بري... أنا الدستور والدستور أنا!

وبري الجالس على كرسي رئاسة مجلس النواب منذ 29 عاماً وما زال "قاعد" على قلب حلفائه قبل خصومه، هو الذي يعرف جدران المجلس عن ظهر قلب، بدا منسجماً بـ"القَعدة" حتى بات يتعامل مع الكرسي كأنه ملك خاص، لا بل كذلك يتعامل مع المجلس ودستوره الذي يحكمه. حتى تحسبنّ أن الدستور، دستور بريّ، وأنه وضع خصيصاً لتنظيم "قعدته" فيه، وأن تفسيره منوط -لضرورات الملكية- بمزاجية رئيس "المجلس" ومصلحته الآنية، وليس وفق "موظف دولة" ملتزم بنصوصها بمعزل عن توافقها مع مصالحه من عدمه...

وشهدت الجلسة الأخيرة للمجلس نقاشاً تخطى جدلية ما إذا كان نصابها مؤمناً، وتعداه إلى النقاش حول الجهة المخولة تفسير الدستور لناحية المادة المتعلقة بالنصاب. وهذه الإشكالية على خطورتها، قادرة على الإطاحة بـ"نصاب" الجلسات المقبلة إذا قررت كتل غير مقتنعة بحسابات بري، مقاطعة الجلسات، ما يعرقل سير عمل المجلس بأسره.

وهذه الإشكالية كان بالإمكان تفاديها بالكامل لو تم الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، إذ في وقت أكد فيه بري أنه "بعد الطائف أصبح تفسير الدستور يعود إلى المجلس النيابي"، لا يمكن التغافل عن أن سبب تناقص عدد النواب 10% اليوم( هم حاليا 118 من أصل 128)، ومرده عدم اجراء انتخابات فرعية لانتخاب نواب عوض المستقيلين والمتوفين. واذا كان تفسير بري للدستور ليس محسوماً على أنه مخالفة دستورية، لكن عدم اجراء الانتخابات الفرعية، مخالفة دستورية لا لبس فيها، جرّت البلاد إلى إشكاليات جديدة، كان لبنان بغنى عنها...

وإزاء هذه المشهدية التي تحكم المجلس النيابي، وفق أي مواد دستورية او سوابق تشريعية بنى بري نظريته في تحديد النصاب، ومن هي الجهة المخولة تفسير الدستور، وهل من خطر على الأكثرية السياسية في المجلس، في ظل اللبس القائم حول تحديد الأكثرية المطلقة فيه وأكثرية الثلثين، وبالتالي مصير التشريع؟

سوابق عدة...

ووسط صرخات قانونية عدة انتقدت تصرف بري واضعة اياه في خانة الخرق الدستوري، أتى الموقف التصعيدي الأقسى على لسان الرئيس السابق للمجلس الدستوري عصام سليمان، الذي ذكّر بأنّ "قانون الإنتخابات يقول بالمادة الأولى منه أن مجلس النواب يتألف من 128 عضوا، وحين يكون النص واضحاً لا يكون هناك مجال للاجتهادات"، مؤكداً أن "ما أقدم عليه المجلس بالنسبة لاحتساب الأكثرية المطلقة مخالف للدستور".
وأهمية موقف سليمان، تكمن في أن المجلس الدستوري هو المجلس المنوط تفسير الدستور وفق ما نصّ عليه دستور الطائف تحت باب "الإصلاحات الأخرى" الفقرة (ب) البند (2)، حيث "ينشأ مجلس دستوري لتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين...". وبالتالي، فإن هذا المجلس يتنازع صلاحية تفسير الدستور، ومطرقة البرلمان!

في المقابل، لا يمكن تلافي "إخراجات" مماثلة لإخراج بري، حصلت في لبنان أثناء فترة الحرب الأهلية جراء صعوبة إجراء انتخابات فرعية تملأ الفراغ الحاصل. وقد سبق للجان النيابية المشتركة أن اعتمدت وجهة نظر الفقيه الفرنسي جورج فيديل عام 1980 واعتبرت أن الغالبية المطلقة تعني "الغالبية محسوبة على أساس عدد النواب الأحياء، حاضرين أو متغيبين، دون المتوفين".
لكن، هذه الطريقة باحتساب النصاب تم التراجع عنها بعد التصويت على القانون رقم 11 الرامي إلى تحديد العدد المعتمد لاحتساب النصاب عام 1990. حيث نصّت مادته الأولى على أنه "بصورة استثنائية وحتى إجراء انتخابات فرعية أو عامة وفقاً لأحكام قانون الإنتخاب، وبالنسبة إلى النصاب المقرر في الدستور، يعتبر عدد أعضاء مجلس النواب الأعضاء الأحياء". أي أن الإنتخابات سنة 1992 أدت حكما إلى إلغاء العمل بهذا التفسير.

معضلة قانونية...

وللتوقف عند إشكالية تحديد النصاب، وفي حديث لموقع التحري مع المحامي جوي لحود، يلفت إلى أن "هذه المعضلة القانونية التي طرحت نفسها اليوم تتأتى من المادة 34 للدستور التي تنص على أن "اجتماع المجلس لا يكون قانونياً اذا لم تحضر اكثرية الاعضاء التي يتألف منها المجلس". فالسؤال عن وقوع مخالفة دستورية في هذا الشأن "يأخذنا الى العدد الذي يتألف منه المجلس، والنظريتان اللتان يتم الجدال حولهما في هذا الإطار، إذ وفق كل نظرية منهما تختلف الأكثريات ويختلف النصاب، وبالتالي، تتأثر القرارات الكبرى في المجلس النيابي".

وفي سياق تفنيده للنظريتين، يوضح لحود أن النظرية التي تأخذ بالعدد النظري أو القانوني للمجلس حسب ما ينص عليه قانون الانتخاب أي 128 نائباً، "مبنية على مبررات دستورية. إذ لو لم يكن المشترع الدستوري يريد اعتمادها لم يكن ليعتبر أن الشغور في المجلس النيابي إن كان بسبب الوفاة او الاستقالة مؤقتاً، وبالتالي لم يكن ليطرح مسألة الانتخابات الفرعية، بهدف إبقاء النصاب ثابتاً لا يتغير أي 128 نائباً".

أما النظرية الثانية التي تحتسب النصاب على أساس عدد النواب الأحياء بعد حسم المتوفين والمستقيلين، فهي "ناتجة عن تقاليد وسوابق حصلت بالتجربة اللبنانية في زمن الأحداث ووقتها كانت هناك استحالة حصول انتخابات فرعية، من هنا كان اعتماد عدد الأحياء".

وعما إذا كان بري قد قام بمخالفة دستورية، يقول "علينا تفسير المادة لتحديد أي نظرية نعتمد وهذا الشيء يأخذنا الى مسألة معقدة أخرى وهي من يفسر الدستور؟ فالدستور في لبنان حالياً منوط مجلس النواب بتفسيره وبالتالي نحن امام استحالة أخرى لتفسير هذه المادة، لأن الجهة التي تريد تفسير مسألة النصاب بحاجة لنصاب غير متفق عليه، فمن يحدد نصاب جلسة مهمتها تحديد النصاب؟".

من هنا، لا يمكننا الجزم برأي لحود بحصول مخالفة دستورية دون الأخذ بمسألة تفسير الدستور على محمل الجد وتحديد النصاب والأعضاء بشكل واضح وصريح "تفادياً للغموض واستثمار الغموض الحاصل اليوم". ما يوجب "التدخل من قبل المشترع الدستوري لتحديد النصاب لا الاكتفاء بتفسير المادة".

استثمار للغموض
أكثرية "غبّ الطلب"!

ولا ينكر لحود أن "هناك استثماراً للغموض في طرح النصوص وتفسيرها من قبل من يهيمن على المجلس تارة لإقفاله وطوراً لتحديد النصاب أو لعرقلة جلسات التصويت... وفقاً لما تقتضيه المصالح".
وعن خطورة "الموسمية" بتفسير الدستور وتحديد النصاب والأكثريات فيرى أن "من شأنها أن تؤثر بشكل خطير على سير عمل مجلس النواب والأكثرية في البلد لأننا بتحديدنا النصاب فنحن نحدد الأكثرية المطلقة وأكثرية الثلثين، ما من شأنه تبديل الأكثرية السياسية أمام المجلس، والتي عليها البت بمسائل تشريعية كبرى ليس آخرها قضية تحويل النواب والوزراء السابقين المدعى عليهم في قضية انفجار مرفأ بيروت إلى محكمة خاصة بالنواب والوزراء والرؤساء"، فنتيجة القرارات مرتبطة حكماً بكيفية احتسابنا للأغلبية، من هنا تكمن خطورة تفسير الدستور "بالمفرق"، وبشكل يتيح تعديل الأكثريات.

وكل عمل المجلس كانت تشوبه علامات استفهام عديدة في السنوات الماضية إن كان لناحية إقفاله لسنوات أو الطريقة التي تحتسب فيها الأصوات بشكل التقليدي، أو تبديل بري لرأيه في تفسير الدستور، مرة عبر احتساب النصاب 64 عند انتخاب ميشال عون رئيساً ومرة وفق العدد الفعلي للنواب، وهذه التبدلات تدل على أنه أصبح "من الضروري تحرير عملية تفسير الدستور من قبضة اللاعبين السياسيين"، تجنباً للتفسير غب الطلب.
من هنا، يشدد على ضرورة "إيكال هذه المهمة لمؤسسة مستقلة تماماً، سواء المجلس الدستوري او استحداث هيئة أخرى، للخروج من انسداد المشهد الحالي"، سيما وأنه "لا يمكننا الاعتماد على المجلس النيابي الحالي لتفسير الدستور، طالما أنه خاضع لمشيئة التسويات السياسية التي تعقدها الكتل النيابية داخله، لا سيما مشيئة الثنائي الشيعي المسلح الذي يهيمن على الشرعية، ما يصعّب الوصول لتفسير حقيقي للدستور".

مخالفة دستورية...

كل هذه المعطيات تردنا إلى المشكلة الأصل، وهي الامتناع عن إجراء انتخابات فرعية. في السياق، لا ينكر لحود أنه "لو لم تحصل هذه المخالفة الفاقعة للدستور لم نكن لنصل لهذه المرحلة من تأويلات وتفسيرات ونظريات لها علاقة بالنصاب وغيره، وكان بقي المجلس بعدده والنصاب واضح فيه وكذلك الأكثرية"، عدا عن أن "الامتناع عن اجراء الانتخابات مخالفة دستورية من شأنها ضرب مفهوم الديموقراطية وحرمان المواطنين من حقهم في التمثيل بالمجلس بالنواب الجدد".

وامتناع السلطة بمن فيها بري وعون عن إجراء الانتخابات الفرعية -وربما الانتخابات المقبلة مستقبلاً-يعرضها للمحاسبة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذي "طوشوا راسنا فيه". لكن وفق أي نصاب سيحاكمون ووفق أي محكمة، وهم الحاكم والحكم؟!

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة