"ليبانون ديبايت" - وليد خوري
ممّا لاشك فيه أن يسنُد القاضي قناعته على الدليل الذي يُقدّره ويرتاح لهُ ضميره، إلّا أنهُ يتعيّن أن يكون هذا الدليل مقبولاً قانوناً وقائماً على إثبات علمي. مع الأخذ بعين الإعتبار أن مجموع ما يتضمنه قراره الظني من قرائن وأدلة يجب أن تكون موضع مناقشة أمام المجلس العدلي. فملفّ الإنفجار بحدّ ذاته مرتبط بالإثبات العلمي لجهة سبب التفجير، فهل كان السبب عمليّة التلحيم! وفي حال صحّ ذلك، يقتضي أن تُجزأ المسؤولية المباشرة وغير المباشرة على مَن أمر بالتلحيم ومن نفذّهُ.
ولكن السؤال لماذا تجهيل سلسلة إجراءات مرّت بها قضية النيترات، فالشعب اللبناني وأهالي الضحايا لا يعلمون حتى تاريخه، من كان يحرس النيترات "بعدَ" إفراغها ، ومن أخرج قسماً منها من المرفأ وتصرّفَ بها! هل هي عناصر عسكرية أم قوى أمر واقع؟
ويُهمل قاضي التحقيق هنا حقيقة واقعة أن رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري عندما زار المرفأ، سبقه إستقصاء لشعبة المعلومات لتأمين حمايتهِ، فلماذا سقط من الإستقصاء أمر النيترات، رغم أنّ الجميع في المرفأ وكل عامل فيه وموظف أو مدير يعلم بأمر النيترات الخطرة، فكيف تُخفى معلومة كهذه عن فرع المعلومات؟ وإذا كانت الفرضية انها علمت بأمر النيترات فلماذا لم تتمّ مخابرة النائب العام التمييزي أقله لفتح محضر معلومات! وبالتالي هل هناك من مسؤولية غير مباشرة تقصيرية كما حال بقية الاجهزة الامنية؟
وهنا يُشرّع السؤال حول المعيار المعتمد من قبل المحقق العدلي في مسار الادعاءات والاستدعاءات، إذ حتى تاريخه لم يستدعِ عدداً كبيراً من الضباط في مختلف الاجهزة الامنية. ونحنُ لسنا إلاّ امام ملاحقة بعضاً منهم مع التركيز على بعض الوزراء والنواب بناءً على الاهمال.
فهل أن ترك النيترات لحوالي ثماني سنوات في العنبر أدى الى تفجيرها؟ طبعاً لا وإلاّ لماذا لم تنفجر قبل ذلك، إذاً هناك عامل خارجي أدى الى تفجيرها، وبالتالي ما هو توصيف الاهمال في النصوص القانونية؟ وهل يبقى هذا الفعل جناية؟ وهل تبقى صلاحية المحقق العدلي منعقدة في إطار الجنحة! ولماذا تم الادعاء على العامل والسائق والوزير والضابط بجرائم قتل قصدي "دوكما"! ولا يمكن تفسير ذلك الا أن النيابة العامة تدعي على الشبهة وإلا لما كانت مؤلفة من قضاة.
في كل الأحوال لماذا لم يصحح قاضيي التحقيق العدلي الإدعاء بوجه المدعى عليهم كلٌ وفقاً لأفعالهِ! فإذا كان من حق الشعب اللبناني معرفة السبب الحقيقي الذي أدى الى التفجير، فمن حق المدعى عليهم بموجب الدستور والقوانين المرعية الاجراء ملاحقتهم بعدل وإنصاف وفق المعايير المنصوص عنها في القواعد الاساسية لقانون العقوبات.
أضف الى ذلك ما يحصل هنا وهناك من قرارات تؤدي الى طرح تساؤلات حول صوابية الملاحقة. بالطبع نحن لسنا بصدد الدفاع عن أحد ولكن أيعقل ان يُرسل البيطار كتاباً الى مرجع إداري لملاحقة أحد الضباط كونَهُ أهمل في وضع حراسة على العنبر وهو أي الجهاز المعني والذي ينتمي إليه هذا الضابط لا صلاحية لهُ إطلاقاً في فرض الحراس ضمن حرم مرفأ بيروت! ألم يفطَن البيطار وقبله الصوّان أن ضباط وعناصر هذا الجهاز كانوا ينفذون إشارة قضائية محددة وأن الخروج عنها يستدعي ملاحقتهم؟ من جهة أخرى، هل يجوز ان يتم ردّ الدفوع الشكلية لمدعىً عليه دون إمهاله أقّله ثلاثة أيام لتحضير دفاعه بعدَ رد الدفوع في ملف العصر والذي سيمثل فيه كل مدعىً عليه أمام محقق عدلي! هذا النوع من القرارات لا يرسي الطمأنينة ويفتح الباب على مصراعَيه لنظرياتٍ كثيرة.
ربما بعضاً من ذلك وغيره من الأمور دفعت وفيق صفا إلى كلام إعتبر تهديداً، فهل فعلاً هو تهديد في معرض كل ما حصل؟ وبالتالي هل يريد طارق الأخذ "بيطار" الناس أم يريد إحقاق الحق؟ وهل أن الشعب اللبناني يريد الحقيقة أم يريد كبش محرقة للملمة الملف والإنتهاء من تحقيق منذ بدايته لم يسلك مساره القانوني!؟.
اخترنا لكم



