التحري

الأربعاء 25 آب 2021 - 23:05

تمييز على أساس الإنتماء دفع بعشرات اللاجئين إلى تزوير أوراقهم الثبوتية كـ"مكتومي قيد" والقضاء يتحرك!

placeholder

فتات عياد - التحري

في فضيحة مدوية غابت عن التغطية الإعلامية المناسبة، وحتى لم يُعلِن عنها موقع المديرية العامة لأمن الدولة، ضُبطت "محاولة تجنيس" لمقيمين من جنسيات مختلفة، وإصدار أوراق تعريفية رسمية مزوّرة لهم على أنهم "مكتومي القيد" في الشمال اللبناني. أمر لا يؤكد سوى أن أميال كبرى يجب أن تُقطع لبنانياً نحو التغلب على الإقصاء واستراتيجيات يجب أن تُعتمد بهدف مشاركة فعالة للفئات المهمشة، ومن يعانون التمييز على أساس الإنتماء، كي لا ينجرّ أحد نحو ارتكاب الجنح والجنايات أملاً بالإندماج.

وفي ملابسات القضية، حصول المقيم خالد عودة، من الجنسية السورية، على أوراق ثبوتية مزوّرة له على أنه "مكتوم قيد"، بانتظار مرسوم تجنيس يخوّله الاستحصال على بطاقة الهوية اللبنانية بشكل كامل. هذا التزوير الذي يرقى إلى مستوى "الجناية"، يدق ناقوس الخطر حيال تورط موظفين في الدولة، بعمليات تزوير قد تطال آلاف اللاجئين وقد يكون خلفها شبكات كبيرة تستغل هذه الفئات المهمشة وتعرض عليهم إكسيراً لعدم التعرض لعنصرية البعض!

بعد تحقيقات طويلة واعترافات تفصيلية لخالد عودة الذي أوقفته المديرية العامة لأمن الدولة، بتهمة تزوير مستندات رسمية وإستعمالها، كانت طرف الخيط لقضية تزوير كبرى تحصل في شمال لبنان أبطالها لبنانيين جشعين. إذ أن مختاراً واحداً على الأقل، عثر معه على عدد كبير من إخراجات القيد العائدة لسوريين وفلسطنيين وعلى رزمة من بطاقات تعريف بيضاء لمكتومي القيد، وهو مختار منطقة البداوي (الشمال) حسام البداوي، لكنه بالتأكيد ليس وحده.

3 جهات على الأقل!

وعملية التزوير هذه، تتورط فيها ثلاث جهات على الأقل، وهم: المستفيد من التزوير، أي الحاصل على البطاقة المزورة، المختار وهو الوسيط في تمريرها وتعبئتها، وموظف من المرجح أنه يعمل في دائرة النفوس، وهو الذي زود المختار بأوراق التعريف البيضاء.

بدورها، أوقفت قاضي التحقيق الأول في الشمال سمرندا نصار مختار البداوي وخالد عوده وإدعت عليهما وعلى كل من يظهر التحقيق تورطه بهذا الملف.
ووفق المعلومات الأولية، فإن عدة مخاتير في الشمال، متورطون في ملفات مشابهة، ما يعني أن مئات اللاجئين، وربما الآلاف، قد أصبحوا "مكتومي القيد" في لبنان!

على أبواب نهاية العهد!

وليس وضع مكتومو الهوية أفضل وضع من وضع اللاجئين في لبنان! بل هم مجهولون من الدولة ولا مكان لهم في سجلات نفوسها، ومهمشون أكثر من اللاجئين بأشواط ويحرمون من كافة الحقوق المنصوص عليها في القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، ولا سيما الحرمان من الإسم والجنسية والحق بالتعليم والصحة والعمل والتنقل والتملك والانتخاب إلى حين رفع دعوى قضائية ومتابعة الملف.
وفي لبنان نوعان من مكتومي القيد: لبنانيون لم يتم تسجيلهم قبل انقضاء سنة على تاريخ ولادتهم، وأجانب مولودون في لبنان ولم يتم تسجيلهم في سجلاته الأجنبية ولا في سجلات وقوعات الأجانب فيه.

ومن المعروف أنه في نهاية كل عهد رئاسي في لبنان، يصدر الرئيس مراسيم تجنيس، وهي عادة ما تكون لـ"المحظيين" من المتمولين الأجانب، على اختلاف جنسياتهم وطوائفهم، وحتى الجنسيات التي عادة ما يتم التعامل معها بعنصرية في لبنان من قبل السلطات، كـ "لاجئين" يُتخوف من توطينهم، تستفيد من مراسيم التجنيس. أما فئة غير المحظيين الذين قد يستفيدون من التجنيس، فهم مكتومو القيد!

تزوير يعود بنا إلى أيام الحرب...

وعن اكتشاف قضية تزوير أوراق تعريف للاجئين فلسطينيين وسوريين وبأرقام كبيرة وفق المعطيات الأمنية، يشبّه المحامي لؤي غندور "هذه الأيام التي وصلنا إليها بحالة الفوضى التي عاشها لبنان أيام الحرب"، لافتاً إلى أنه "تم إيقاف العمل ببطاقة الهوية السابقة (خضراء اللوان) لسهولة تزويرها"، فمن كثرة التزوير في تلك الحقبة "بطّل معروف مين حامل الهوية ومين مزوّرا!".
وبرأيه، "نحن اليوم نعيش مرحلة من تحلل مؤسسات الدولة وانفلاتاً على كافة الصعد، وهي أجواء شبيهة ببداية الحرب الأهلية، ما يعني أننا سنشهد مزيداً من عمليات التزوير".

وفي حديثه لـ"التحري"، يقول لدى سؤاله عما إذا خبر لبنان بعد الحرب عمليات تزوير مشابهة، "نحن مررنا بحالات مشابهة، زوّرت فيها جوازات سفر واخراجات قيد"، لكن "وبوجود جواز السفر البيومتري، بات من الصعب جدا تزوير جوازات السفر"، لكن "بقي التزوير يطال إخراجات القيد، ومخاتير عدة يقومون بهذا العمل".

أما من الناحية القانونية، فيلفت غندور إلى أن ورقة التعريف لمكتومي القيد، هي مستند رسمي يصدر عن مأمور منطقة السكن وهو المختار، وهي جناية عقوبتها ثلاث سنوات سجن وما فوق، وهي تطال المختار ومستعمل الوثيقة المزورة الذي تم توقيفه وتطال الذي اعطى المختار هذه الاوراق وهو عادة ما يكون موظفاً في دائرة النفوس.

غطاء سياسي؟

و"المختار عادة ما يكون مدعوماً"، يضيف غندور، "وهذا ما يفسر الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية على مدى الـ 15 عاماً الماضية، لجهة التضييق على المخاتير شيئاً فشيئاً، فبعضهم قد يشكل مافيا أكبر حتى من مافيات موظفي الإدارات الرسمية، ومافيا الطوابع شاهدة على ذلك، والفساد بات للأسف ثقافة لدى بعض اللبنانيين الذين يعتبرونه "تذاكياً".

ومع سلسلة الفضائح التي تكتشفها القوى الأمنية مؤخراً، من الأدوية المخزنة إلى المحروقات، "يبدو أن هناك أناساً هم أكثر فساداً من مافيا السلطة الحاكمة وقد يكون هناك مخاتير أفسد بكثير من الموظفين العموميين".

وعما إذا كانت عمليات التزوير هذه مجرد "تجارة" بين المختار وموظف النفوس الفاسد، ويقصد منها العائد المالي البحت، أم أنها مدعومة سياسياً، يقول "الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان سيتم توقيف ومحاكمة المخاتير المتورطين أم لا، لكن الظاهر حتى الآن أن لا موقوفين، بل فقط اكتشاف فساد هنا وهناك والإعلان عنه، فالقضاء متفرغ للناشطين وأهالي ضحايا المرفأ لتوقيفهم وهو لا يوقف المجرمين الحقيقيين".
ويختم غندور حديثه "المختار الذي يبيع الناس اخراج القيد في السوق السوداء بمليوني ليرة، هو صورة جلية عن الانفلات الاجتماعي وانحلال مؤسسات الدولة، لكن أيضاً قد يكون هناك غطاء سياسي لهؤلاء، وغداً لناظره قريب".

ولبنان الذي لطالما استخدمت فيه الديموغرافيا الطائفية كورقة ضغط، ها هو على باب سقوط نظام وولادة نظام جديد. ما يعني أن جهات سياسية عدة قد تغطي عمليات التزوير في سبيل التجنيس. وفي وقت يهدد فيه لبنان بـ "فزّاعة" التوطين، تبدو الهجرة الجماعية للبنانيين اكثر خطورة، لناحية تغييب الانتماء الوطني لدى قاطني لبنان. فالوطن ليس فندقاً، لكنه ليس "جهنم"، بالتأكيد!

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة