فتات عياد - التحري
في بلاد تحكمها المحاصصات والأجهزة الأمنية ومنظومة البطش بغالبية ذكورية على اختلاف طبائعها السياسية والدينية، لا يمكننا اغفال دور المعايير "الوراثية" و"الجمالية" و"الانصياعية" في اختيار أي "نائب أنثى" إلى صناديق الترشيح. بحيث، تُمنع تاء تأنيث الصفة الرسمية ولا يُستخدم مصطلح "نائبة" خوفاً من ترجمتها "مصيبة" لُغوياً. قلّة هُنّ المُختارات حزبياً لمسيراتهنّ المهنيّة.
يُحاصر صوت نساء لبنان، ويُنتهك حقهن بالتمثيل بشبيهاتهن، من اللواتي لا ينطوين تحت جناح أحد زعماء الطوائف، أو يشعرن بمشاكلهن بعيداً عن رأي "رئيس الحزب" تشريعياً.
وعليه، وفي سياق كسر الحواجز بين الجنسين، والتخفيف من وطأة هيمنة العنصر الذكري على قائمة المرشحين في الانتخابات النيابية المقبلة عام 2022، أو ارغام النساء على الامتثال لها والاختيار منها دون بديل... فتحت منظمة فيفتي فيفتي 50/50 معركة مُحقة لـ"اقتراح قانون لإقرار الكوتا النسائية". وذلك، بمشاركة خبراء اختصاصيين قانونيين وخبراء قوانين انتخابية ودعم أكثر من خمسين جمعية ومنظمة غير حكومية ممثلة بما سميّ بـ"التحالف المدني من أجل إقتراح الكوتا". فهل يصلح لأن يكون "حلاً سحرياً" يضمن عدالة التمثيل النيابي بين الجنسين، في بلد أصبح فيه النائب "مصيبة" على الشعب بمعزل عن جنسه؟
التغيير يبدأ اليوم
وفيما يحتكر السياسيون صفة "النيابة" بغالبية امتياز لا يُجارى، ويتعاملون مع نظيراتهم من السياسيّات بنظرة دونية نمطية إلى الأنوثة باعتبارها نقيض الجرأة والوعي السياسي الحر. كان لا بد من العمل على اقراح قانون الكوتا كضمانة مرحلية للتمثيل العادل وتمهيد لتقبل المجتمع إشراك المرأة في صنع القرار. وبدورها، أكدت جويل أبو فرحات، رئيسة منظمة فيفتي فيفتي، على أهمية الكوتا النسائية التي طبقت بأكثر من 128 بلد في العالم و بالدول العربية كافة بإستثناء لبنان الذي يحل بالمرتبة 183 على 187 من ناحية تمثيل المرأة في البرلمان. مشيرة إلى أن القانون المقدّم هو أول مسودة بعد سنة من المشاورات.
المعايير المعتمدة
بالرغم من أن حق الاقتراع والترشح قائمان منذ أمد بعيد، بقي تمثيل النساء رهناً بالأحزاب الأوفر حظاً. لذا، وفي صياغة د. بول مرقص المقترحة، إعتُمد نص القانون الانتخابي الحالي، وفيما يلي المعايير المعتمدة لتوزيع الكوتا، التي حددت بنسبة 20% من مقاعد المجلس النيابي:
-تقسيم المقاعد الـ26 المخصصة للكوتا النسائية والتي تشكل 20% من عدد مقاعد المجلس النيابي، استناداً الى تقسيم الدوائر الانتخابية ومقاعدها كما هو محدد في القانون.
-كوتا بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين. (13 مقعد من أصل 64) لكل ديانة.
-بالتساوي بين المذاهب: أي حوالي 20% من المقاعد الاجمالي المخصص لكل طائفة حسب توزيعها على الدوائر الانتخابية.
-مقعد واحد من مقاعد المذاهب التي خصصت لها أكثر المقاعد عدداً.
-بالتساوي بين الدوائر الانتخابية، على أن يخصص في كل دائرة مقعد للكوتا النسائية على الأقل.
-بالتساوي بين الجنسين: ومراعاة مبدأ المساواة بين المذاهب التي ليس لديها سوى مقعد واحد في الدائرة والذي لا يمكن ان يخصص للكوتا والا اعتبر بمثابة حرمان للرجال من هذا المقعد.
عيد: لكوتا مرحلية
بدورها، تؤمن الإعلامية غادة عيد، وهي التي خاضت غمار الانتخابات النيابية عام 2018، إلى جانب 85 امرأة أخرى، بعد أن انسحبت 25 مرشحة لعدم تمكنهن من الدخول في لوائح انتخابية يشترطها القانون، بأن "النساء في الانتخابات المقبلة، سيخضن معركة سياسية وجندرية باعتبار الفوز أداةً لمحاسبة الطبقة السياسية بعيداً عن محدلة التوافق ولطرح بديل حقوقي مدني يهتم بالدرجة الأولى بالعدل تشريعياً ونصرة الفئات المهمشة والمستضعفة" وتابعت "أؤمن بقدرة المرأة اللبنانية على الوصول إلى مركز سياسي تغييري وانخراطها في معارك إعادة بناء الدولة كمشروع شفاف وتقدمي بعيداً عن معايير الفساد والمحاصصة والتبعية السائدة".
كما أنها تأخذ بعين الاعتبار أهمية الكوتا النسائية في سياق المحاصرة الحزبية الحالية وفي ظل منطق "البيوت السياسية" الطاغية على صورة ترشيح النساء. هذه "الدفشة" عبر الكوتا، تأمل عيد أن تكون "مرحلية"، ريثما يعتاد المجتمع على تمثيل كبير للنساء في البرلمان، كي لا تصبح الكوتا تمييزاً بمفعول عكسي على المدى البعيد.
و"المرأة لديها قدرات مثل الرجل، لكن حتى الرجل غير المدعوم من الأحزاب التقليدية أو بيت إقطاعي، بالكاد يصل إلى البرلمان أو على الأرجح لا يصل". من هنا، تلفت عيد إلى العقلية الذكورية المسيطرة على غالبية أحزاب لبنان، يضاف إليها المحاصصة التي تدخل أيضاً في العملية الانتخابية تصويتاً وترشيحاً.
والتمثيل السياسي ليس العقبة الوحيدة بوجه المرأة برأي عيد، فهناك قوانين تمييزية جائرة كمنعها من منح جنسيتها لأولادها، والحرمان من الزواج المدني، وعدم إقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية. والمشكلة برأي عيد تتعلق بالنظام السياسي الطائفي وأداء أحزاب المنظومة.
وإذ تدعم تحقيق مشاركة متكافئة للمرأة، تحث على عدم تحويلها مادة للاستغلال. وألا يكون المناشدة بحقوقها عملاً موسمياً يستقدم التمويل فقط بل العمل الفعلي القانوني وعلى الأرض من النواة.
هل يبصر القانون النور؟
ولبنان هو أول دولة عربية منحت النساء الحق في التصويت، عام 1952. ومع هذا، فإن المجالس البلدية أدخلت اليها كوتا نسائية بنسبة 20% عام 2009 لتحسين التمثيل النسائي فيها. ما يعني ان التمثيل السياسي للمرأة، مهما صغر حجمه، دونه معوقات كثيرة.
وقوانين كوتا عديدة ظلت في أدراج المجلس النيابي لسنوات، قدمها نواب عن كتل نيابية عدة، لكنها لم تقر، ما يعني أن لا جدية لدى أحزاب المنظومة الذكورية بتفعيل دور المرأة في السياسة، وهي لو أرادت ذلك، لاعتمدت الكوتا في لوائحها الانتخابية، ولرشّحت نساءً من خارج التوريث السياسي، ولفعّلت الصوت النسوي في أحزابها، وأقرّت القوانين الهادفة للحد من التمييز الجندري عوض عرقلتها!
وتبدو الصورة مختلفة عند قراءة نتائج انتخابات لائحة "النقابة تنتفض" في نقابة المهندسين، فـ 25% من المهندسين الفائزين بعضوية المجالس هم من السيدات. ما يطرح أسئلة عدة: فهل التمثيل النسائي في البرلمان يحتاج كوتا مرحلية لا مفر منها؟ أم أن انتخابات نقابة نخبوية، لا تنضح بالضرورة بأفكار المجتمع كلها؟ أم أن الاحزاب التقليدية هي التي منعت وصول المرأة كحق طبيعي لها في التمثيل؟
وانتخابات نقابة المهندسين تعطي أملاً بتمثيل عادل للنساء الكفوءات في السياسة، مع منافسة "البديل" لأحزاب المنظومة الحاكمة، الذكورية بمنهجيتها، المعرقلة لقانون أحوال شخصية موحد، يعتبر مدخلاً للمواطنة السليمة، والعدالة بين كافة المواطنين!
اخترنا لكم

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥