كتب هادي نصر مقالاً جاء فيه: "لطالما كان هم بكين، ومازال، العمل على تطوير اقتصادها وتجارتها الخارجية، واستثماراتها، والحفاظ على وتيرة نمو قوية دون تراجع. واستمرت محاولات الصّين خلال العقود الماضية في التأثير على الدول بعيداً عن التصادم المباشر مع الولايات المتحدة، فطورت علاقاتها مع بلدان أفريقيا وأميركا الجنوبية وحتى مع حلفاء واشنطن. وجزء لا بأس به من علاقات بكين كان يتجه دائماً نحو دول منطقة الشرق الأوسط.
كل ذلك كان يتم وفق سياسة القوة الناعمة الصينية بأسلوب الصداقة والتحبب والعروض والمنح، بعيداً عن سلطة النفوذ والإكراه كما هو حال السياسة الأمريكية، خصوصاً في عهد الرئيس السابق ترامب.
على الرغم من أن الولايات المتحدة قادت العالم في مجال التكنولوجيا لعقود طويلة، فاحتلت الفضاء وقادت ثورة الإنترنت وقدمت للعالم أفضل الابتكارات، إلا أن الحال تغير خلال الأعوام الأخيرة، فقد بذلت الصين جهوداً جبارة للتربع على عرش التكنولوجيا. ومع بزوغ نجم عصر الرقمنة وتزايد اعتماد الأعمال والمجتمعات على التقنيات الرقمية وحركة البيانات عبر وسائل الاتصالات، تبلورت لدى الصين فكرة إضافة محور الرقمنة لقوتها الناعمة، لتتحول إلى القوة الناعمة الرقمية الصينية التي اجتاحت العالم بابتكاراتها خلال فترة وجيزة، وجعلت الغرب بقيادة الولايات المتحدة يقف حائراً أمام إمكانية وقف تمدد هذا النفوذ الجديد.
استمر التمويل الحكومي الأمريكي للأبحاث التكنولوجية في القطاعين العام والخاص بالانخفاض على مدى السنوات الأخيرة، بينما ضخت الصين استثمارات كبيرة في البحث والتطوير التكنولوجي، حيث زادت حصتها من الإنفاق التكنولوجي العالمي من حوالي 5% عام 2000 إلى أكثر من 23% عام 2020. وجعلت الصين التكنولوجيا أولوية وطنية، وعملت على توحيد جهود الدولة وقطاع الأعمال لبناء قوة تقنية علمية تعزز أداء البلاد الاقتصادي.
أصبح قطاع التكنولوجيا والتقنيات الرقمية مقياساً جديداً لقوة الصين الناعمة ونفوذها في الخارج في مواجهة الصراع الذي تخوضه مع الولايات المتحدة. وردّت واشنطن على هذا الطموح الكبير بفرض عقوبات وقيود تجارية على الصين وشركاتها التكنولوجية الكبرى. وبفضل الشركات الصينية في قطاع الاتصالات وأبرزها "هواوي"، أصبحت الصين جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة من الدول الرائدة في مجال الابتكار التقني والاتصالات وتقنية المعلومات، وبات لديها القدرة على وضع المعايير التكنولوجية التي يتعين على الدول الأخرى اتباعها.
الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها استراتيجية قومية تكنولوجية، حيث تراهن على تحويل البلاد إلى قوة مستقلة في صناعة تقنيات المستقبل الاستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والتخزين السحابي والبيانات الضخمة وتقنية الجيل الخامس.
إدارة ترامب كانت الخصم الرئيسي للقوة الناعمة الرقمية الصينية، حيث فرضت عقوبات وقيوداً تجارية واسعة على الشركات الصينية مثل "هواوي". ولم تسلم منها حتى التطبيقات الصينية تيك توك ووي شات.
عملاق الاتصالات الصيني "هواوي" يقود حالياً تقنية الجيل الخامس في العالم. ورغم أن العقوبات الأمريكية أثرت عى أعمال الشركة إذ منعت عنها أشباه الموصلات التي تستخدم لتصنيع الجوالات وأوقفت جوجل التعامل معها فهبطت أعمال الهواتف الذكية لديها من المرتبة الأولى عالمياً، إلا أن هذه الشركة خير ممثل للقوة الناعمة الرقمية الصينية، فقد استمرت أعمالها بالنمو رغم الحملة الأمريكية واسعة النطاق ضدها، وحققت إيرادات بقيمة 136.7 مليار دولار في 2020، والمزيد من التقدم بتنفيذ 3000 مشروع مبتكر في الجيل الخامس في أكثر من 20 قطاعاً مثل مناجم الفحم وإنتاج الفولاذ والموانئ والتصنيع. واستمرت بضخ استثمارات ضخمة في مجال البحث والتطوير ليصل إجمالي انفاقها خلال السنوات العشر الأخيرة إلى 110 مليار دولار، الأمر الذي تنوء به أي من الشركات الأمريكية أو الغربية. والشركة تمتلك أحد أكبر سلل الابتكارات في العالم، وعضو في أكثر من 600 منظمة وهيئة معايير ومقاييس في العالم. وأعلنت مؤخراً دخول عالم تكنولوجيا السيارات الالكترونية وضخت فيه استثمارات كبيرة.
في مواجهة التيار التكنولوجي الصيني وشركاته الجامحة، مجلس الشيوخ الأمريكي تبنى مؤخراً مشروع قانون يقضي بتخصيص أكثر من 170 مليار دولار لأغراض البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي، ويعتبر ذلك قراراً تاريخياً لمواجهة القوة الناعمة الرقمية الصينية. ويبدو أن الساسة الأمريكيين يعرفون حقيقة أمر تراجعهم في ميدان التنافس التكنولوجي. المدعي العام الأمريكي وليام بار قال بأن "المشكلة" تكمن في بعض الشركات الأمريكية الخاصة لأنها لا تبذل ما يكفي من الجهود للحفاظ على التفوق الأمريكي. وفي لقاء له مع قناة فوكس بزنس قال: "لطالما كنا رواد التكنولوجيا في العالم، إلا أن الصين تبذل جهوداً كبيرة لتحل مكاننا منذ بداية العقد الحالي".
وزير الخارجية الأمريكي السابق مايكل بومبيو قال صراحة: "على أوروبا التخلي عن هواوي للحفاظ على تفوق الغرب في القرن القادم".
ثيا لي، رئيسة المعهد الأمريكي لسياسات الاقتصاد كانت أدانت الرئيس السابق ترامب بشدة لاستخدامه سياسة فرض مزيد من الرسوم الجمركية كعنصر مفاوضات للوصول إلى اتفاق تجاري بين البلدين. وقالت إن ترامب يستخدم هذه الأداة بشكل عشوائي جداً، وبطريقة مضللة لا تتضمن إرسال رسائل واضحة لمجتمعات الأعمال والشركاء التجاريين". لكن ليس هناك أية مؤشرات على أن إدارة الرئيس الأمريكي بايدن ستتبع نهجاً أكثر طراوة في مواجهة القوة الناعمة الرقمية الصينية.
التقدم العلمي والتكنولوجي الصيني أحرج الغرب وأنتج مواقف متشددة لدى بعض السياسيين الأمريكيين الذين قالوا بأن ابتكار العلوم والتكنولوجيا في الصين يمثل "تهديدًا" قومياً لأمريكا ، وهو عذر تم استخدامه كثيراً في السنوات الأخيرة، فالعقوبات التي فرضت على "هواوي" تمت بذريعة الأمن السيبراني، رغم أن الشركة تقول أنها أنشأت أكثر من 1500 شبكة من شبكات الاتصالات توفر خدماتها لأكثر من 3 مليارات شخص في 170 بلداً ومنطقة، وأنه لم يسبق أن وقع حادث أمني كبير في أي من شبكاتها.
وتجسيداً لنهج القوة الناعمة الصينية، أعلنت هواوي مؤخراً عن افتتاح مركز الشفافية العالمي للأمن السيبراني وحماية خصوصية المستخدم في مقر الشركة بمدينة دونغوان الصينية. ولن يكون هذا المركز منصّة مفتوحة أمام الجميع للتحقق والاختبار والتقييم فحسب، بل للابتكار المشترك القائم على التعاون مع جميع دول العالم. بمعنى آخر، فالشركة ترد على الادعاءات الأمريكية لها في مجال الأمن السيبراني وتقول: " نحن منفتحون وشفافون وليس لدينا شيء نخفيه. تفضلوا لتتحققوا بأنفسكم".
من الواضح بأن القوة الناعمة الرقمية الصينية ترعب الغرب، ويتم التعامل معها في كثير من الأحيان من منطلقات جيوسياسية، في حين أن مناقشة تحديات ومستقبل التكنولوجيا والرقمنة يجب أن تبقى في سياق نقاشات الحقائق العلمية، بعيداً عن السياسة.
إنشاء نظام إيكولوجي دولي للتكنولوجيا لصالح مستقبل البشرية يبدأ ببناء جسور التعاون والعمل المشترك مع كافة الجهات المحلية والإقليمية والعالمية التي لديها الخبرات اللازمة في هذا المجال، بغض النظر عن جنسيتها. وفي حال تكاملت جهود الابتكار التقني على المستوى العالمي، ستكون دول بلدان منطقة الشرق الأوسط أول المستفيدين منها، فهذه الدول لديها الكثير لتنجزه على طريق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والتكنولوجيا محور أساسي لتحقيق ذلك".
القوة الناعمة الرقمية الصينية

اخترنا لكم

المحلية
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

المحلية
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥
علـى مـدار الساعـة
-
21:58 قادة العالم يهنئون ترامب بانتخابه رئيساً للولايات المتحدة -
10:48 مسنّو لبنان قلقون: لا دواء ولا استشفاء! -
12:29 خريطة الحكومة لردّ الودائع… هذه أبرز معالمها -
08:14 أسعار نار وإرتفاع مجنون بين الصيف الماضي وهذا الصيف -
08:52 "من بيت لبيت": مبادرة شبابية في الزمن الصعب -
11:11 نار الكتب والأقساط تحرق الجيوب
علـى مـدار الساعـة
12:45 "معاريف" عن نتنياهو طلب من ترامب تخفيف مسألة الرسوم الجمركية ورد الرئيس الأميركي: "لنجتمع ونناقش الأمر"12:41 رويترز: رئيس وزراء اليابان يطلب إجراء مكالمة هاتفية مع ترامب بشأن الرسوم الجمركية12:26 الرئيس نبيه بري يلتقي في عين التينة وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي12:22 تايوان تعلن عن مساعدات بقيمة 2.7 مليار دولار للشركات المتضررة من الرسوم الجمركية الأميركية12:05 مراسلة "ليبانون ديبايت": وصول وزير الخارجية يوسف رجي الى عين التينة للقاء الرئيس بري12:01 وزير خارجية إسرائيل لـ "لوفيغارو": نسعى للتقارب مع السعودية لكن هذا صعب المنال11:52 مراسل "ليبانون ديبايت": تحليق للطيران الحربي الإسرائيلي على علو متوسط فوق عدد من مناطق الجنوبية11:35 كريم سعيد: على جميع البنوك زيادة رؤوس أموالها بإضافة أموال جديدة تدريجيًا وعلى أي بنك لا يرغب بذلك أن يندمج مع بنوك أخرى11:34 كريم سعيد: سنعمل على إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وإيجاد الحوافز وإعادة تمويل العجلة الاقتصادية من خلال القطاع المالي والمصرفي الشرعي11:33 حاكم مصرف لبنان كريم سعيد: يجب إنقاذ صغار المودعين أولاً11:29 مراسلة "ليبانون ديبايت": وصول وزير الدفاع ميشال منسى الى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري11:28 حاكم مصرف لبنان كريم سعيد: اتعهد بالالتزام باحكام الدستور وقانون النقد والتسليف والقوانين التي ترعى عمل المصرف المركزي
الأكثر قراءة
تسجّل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني

