سأل الدكتور فيليب سالم، في مقالٍ نُشِر في إفتتاحية النهار، "كيف وصلنا الى هنا؟ الى هذا القعر! الى هذا الذل! شعبٌ يملأ الدنيا ويعمّرها. طبيعة ساحرة تمتد من السماء الى البحر. وحضارة هي أيقونة الشرق. كيف ينحدر وطن كهذا الى هذا الدرك؟ وكيف يهان شعب بكامله؟ شعب ليوم البارحة كان يفوح عنفواناً وكرامة".
وأضاف، "يقولون: الفساد. وهذا صحيح. انه الفساد. لكن الفساد المالي الذي نتكلم عنه كل يوم ما هو الا نتيجة لفساد أعظم وأخطر ألا وهو الفساد السياسي. السياسة هي العلة الأساسية، وهي المرض. وما المأساة الاقتصادية التي نعيشها اليوم الا عارض واحد من أعراض هذا المرض. ان السياسات التي تبنتها الحكومات اللبنانية هي التي أوصلتنا الى هنا. فانعدمت ثقة المواطن بالدولة، كما انعدمت ثقة العالم بلبنان، وانعدم احترام العالم للدولة اللبنانية".
وتابع، "كيف يحترم العالم دولة تسرق شعبها؟ دولة لا تحترم سيادتها؟ لبنانيون يبيعون الأرض وكرامة الناس ويتحالفون مع دول وقوى خارجية للاستقواء على إخوانهم في الداخل، وللتسلق إلى السلطة. لقد زال الحد الفاصل بين دولة لبنان ودويلة "حزب الله" وأصبح لبنان معزولاً في محيطه العربي وفي العالم الغربي. لقد نسي العالم لبنان العظيم المتجذر في التاريخ والمنتشر في الأرض وصاحب الحضارة الفريدة في الشرق. نحن نحترم "حزب الله" ونحترم رجاله. ولن ننسى تحريره أرض الجنوب من العدو الإسرائيلي، لذا نقف بإجلال أمام شهدائه. الا اننا لن نسمح له بإلغاء دور لبنان العظيم في الشرق وفي العالم. نحن على اختلاف عميق مع فلسفة الثورة الإسلامية الإيرانية. فنحن لا نؤمن بمزج الدين بالسياسة".
وأكمل الكاتب، "ان هذا المزيج هو السم الذي يقتل شعوب المنطقة. نحن نعمل جاهدين لفصل الدين عن السياسة وإقامة دولة مدنية في لبنان. ان الدولة التي تحدد المواطن بدينه أو بطائفته تهينه لأن الانسان أكبر بكثير من انتمائه الديني. لقد عانى هذا الشرق الكثير من الآلام بسبب استعمال الدين كأداة سياسية. انظروا من حولكم فماذا ترون؟ ترون مسلمين يقتلون مسلمين ويتعدون على دين الإسلام. ومسيحيين يهربون من بلادهم الى بلاد الله الواسعة. وترون إسرائيليين يقيمون دولة لليهود وحدهم دون غيرهم. نحن نرفض تصنيف البشر حسب دينهم لأننا نؤمن بأن الله يعانق كل البشر بمحبته، ولا يميز بينهم".
وأضاف الدكتور فيليب سالم، "نختلف أيضاً مع الثورة الإسلامية لأنها حضارة أحادية ولبنان هو موئل التعددية الحضارية التي هي معنى لبنان ومعنى رسالته. وحده لبنان من كل دول الشرق بما فيها إسرائيل والعالم العربي وإيران وباكستان وأفغانستان هو نموذج للتعددية الحضارية. نموذج لمعانقة الآخر واحترامه. وهنا لا نتكلم فقط على التعددية الدينية، بل نتكلم على ما هو أهم، التعددية الحضارية. هنا في هذه البقعة الصغيرة من الأرض تتعايش جميع الحضارات وجميع الأديان بسلام واحترام".
وقال، "على رغم اختلافنا الفكري مع فلسفة الثورة الإيرانية الإسلامية، أود ان أتوجه الى "حزب الله" وأقول لهم إن الأهل قد يختلفون في الرأي في ما بينهم لكنهم يبقون في النهاية أهلاً. نحن واياكم أهل هذه الأرض. ونصّر على ان نبقى أهلاً. فتعالوا نجلس إلى طاولة واحدة ونتعهد أمام الله انقاذ لبنان واعادته الى الحياة. أنتم تعرفون جيداً انه إذا سقط لبنان هذه المرة لن يكون في سقوطه غالب ومغلوب، بل سنكون جميعاً مغلوبين".
ورأى الكاتب أن "الطريق الى خلاص لبنان يبدأ بالاتفاق على عقد وطني جديد بيننا وبينكم، تكون فيه سيادة لبنان مقدسة ويكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية. كذلك يجب ان نتفق على مفهوم تحييد لبنان. كانت سياسة النأي بالنفس اكذوبة كبيرة، إذ ان هذه السياسة تعني في العمق عدم القدرة على وضع استراتيجية للحياد. فهي تزوير للحياد. ينأى المرء بنفسه عن عمل شيء ما عندما لا يعرف ماذا يعمل بهذا الشيء. نحن نؤمن بسياسة الحياد الفاعل، أي الحياد الذي يصب في مصلحة لبنان. ونفضل عدم استعمال كلمة الحياد الإيجابي لأن الإيجابية يفسرها كل على هواه. ونحن لا نذيع سراً إذا قلنا انه من أهم أسباب الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان هي الحروب القائمة اليوم بين الغرب وإيران".
وأردف، "العالم العربي والعالم الغربي يعتبران لبنان في قبضة محور الممانعة. لذلك عبثا نحاول ان نقوم من القعر الذي نحن فيه إذا لم نتفق على حياد لبنان. وكيف نضمن التزام "حزب الله "الحياد؟ هذه المرة، غيرها من المرات قبلها، يعرف "حزب الله" أنه إذا لم يلتزم، لن ينهار لبنان وحده بل سينهار هو معه أيضاً. فالحياد هذه المرة يصب في مصلحة "حزب الله". وكذلك علينا ان نتفق على ان لا يكون هناك حزب أو فئة او تيار يعتبر نفسه أكبر من لبنان وان في مقدوره ان يأخذ لبنان الى مكان لا يريده اللبنانيون. وبينما تعني سياسة النأي بالنفس عدم وجود استراتيجية مستقبلية، فالحياد هو العكس، إنه يعني وضع استراتيجية ذكية لإرساء أفضل العلاقات مع دول العالم غير ان نضطر الى دفع ثمن الخلافات بين هذه الدول. والغريب انه على رغم الفشل الذريع الذي اصابنا نتيجة لسياسة النأي بالنفس، نعود لنصّر على الفشل. هل نحن مدمنون الفشل؟ ونحن بالطبع نعرف أسباب هذا الإصرار على الفشل. فالطبقة السياسة الحاكمة تريد الحفاظ على مغانمها ومكاسبها".
ولفت الدكتور سالم الى أن "المطلوب اليوم من الثورة ليس فقط تغيير الطبقة السياسية بواسطة انتخابات مبكرة، بل أيضاً إيجاد مناخ جديد وثقافة سياسية جديدة تصبح فيها القوى السياسية بأيادي قادة لا بأيادي زعماء. نحن نريد قادة. لا نريد زعماء. فالقيادة هي عكس الزعامة. الزعيم يريد مصلحته ويعمل على إعلاء شأن نفسه. القائد يريد مصلحة شعبه ويعمل على إعلاء شأن وطنه. من هنا لا بد من العودة الى الثوار لنقول لهم: أنتم تحتاجون الى قيادة حكيمة من دونها لا يمكنكم ان تصلوا الى أهدافكم. ويخطئ من يقول لكم ان قوتكم هي في عدم وجود قيادة لكم".
وختم، "هذا الكلام يذكرنا بما قيل في الماضي من أن "قوة لبنان هي في ضعفه". ونعود أيضاً لنقول لكم إننا نخاف عليكم من الإحباط. ان الطريق لطويل والمطبات كثيرة. فإياكم ان تخافوا من الفشل. حدقوا في الضوء الكبير في آخر هذا النفق المظلم. في الطريق بينكم وبين الضوء ستفشلون مرات عدة ولكن وحدهم الذين يقفزون فوق الفشل يصلون الى الضوء. أنتم الضوء لنا. نرجو ألا تطفئوا سراجكم".
اخترنا لكم

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥

خاص ليبانون ديبايت
الجمعة، ٠٤ نيسان ٢٠٢٥